قطاع الصحة يجب أن يكون عموميا ومحتكرا في يد الدولة

مكتب المغرب : الاستاذ عبد السلام المساوي 
1_ من المؤكد أن فيروس كورونا أعطى للعالم درسا قاسيا ، ففي الوقت الذي كانت سياسات الغالبية الساحقة من الدول ، ومنها المغرب ، تتجه نحو خوصصة خدمات الصحة ، أظهر ” كورونا ” للعالم أن هذا القطاع لا يجب أن يكون في أيدي أصحاب رؤوس الأموال أو الشركات الخاصة وأن عليه أن يبقى محتكرا في يد الدولة .
الكلام نفسه صرح به وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر لصحيفة ” دي فيلت ” ، بأن أهم درس يقدمه هذا الوباء للعالم هو أن قطاع الصحة يجب أن يكون عموميا وموجها لخدمة الجميع ، مؤكدا أن الأزمة الحالية كشفت ضرورة التحرر من سيطرة الشركات على الانتاج الدوائي حول العالم ، وتبني قرارات سياسية لتقوم الدول بتصنيع أدوية لمكافحة كافة أنواع الأوبئة المتوقعة .
2_ في سياق المعركة ضد ” كورونا ” تبرز الصحة العمومية في قلب الهجوم ، فوحدها من أظهرت فعالية وقدرة على المجابهة ، كما يظهر اليوم في كل البلدان المنخرطة في المعركة . من هذا المنطلق يتوقع رجوع الدول إلى سياسة ” التأميم ” ، والمقصود بها نقل ملكية قطاع معين الى ملكية الدولة ، أي تحويله الى القطاع العام . صحيح انه قبل زمن كورونا كان هناك توجه عالمي نحو خوصصة القطاع العام أو على الأقل تقوية حضور القطاع الخاص ، لكن التجربة الحالية تؤكد أن القطاع الفعال على مستوى الخدمات عند الأزمات هو الذي يكون تحت تصرف الدولة مباشرة . وهكذا فمن المتوقع أن تتراجع كثير من دول العالم عن المضي في سياسات الخوصصة وتسارع الى بسط نفوذها على القطاعات الحيوية _ وعلى رأسها الصحة _ باعتبارها أسلحة في مواجهة الأزمات المعقدة .
ومما يزكي ضرورة الانخراط مستقبلا في تقوية القطاع العام ، أن الريادة كانت قبل كورونا للقطاع الخاص الذي كان يقدم أجود الخدمات في كل المجالات ، بما فيها الصحة ، لكن في زمن الجائحة لم تتصدر المشهد العام في بلدان العالم سوى الصحة العمومية ، وظل القطاع الخاص مكملا في بعض الدول ، وغير مشارك في دول أخرى ، مما يزيد الرهان على كل ما يوجد تحت امرة الدولة وما يتحرك باسمها مباشرة .
3_ لطالما ارتبطت مفاهيم معينة بالأمن القومي ، مثل الارهاب والعدوان وحراسة الحدود ، لكن يبدو أن فيروس كورونا علم العالم ان الصحة اهم عناصر الأمن القومي للدول ، وأن الاعتبار الاول ينبغي ان يكون لحماية صحة المواطن ، وتعلم انسان الألفية الثالثة درسه الأهم على يد فيروس مجهري وصفه صناع القرار والحكام ب ” العدو ” ، وسميت جهود مكافحته ب ” الحرب ” وتم استدعاء العسكر من ثكناته لمحاصرته .
المؤكد أن العالم بعد مرور الجائحة لن يكون كما كان من قبلها ، فبعد هزيمته لهذ الفيروس يتوقع ان يصبح وقف انتشار الأوبئة دعامة استراتيجية للأمن القومي للدول ، وسيصبح المعيار الأهم مستقبلا لتحقيق الازدهار والرخاء هو التمتع بصحة جيدة . علما أن أزيد من 60 دولة كانت قد شكلت منذ 2014 ، في أعقاب انتشار وباء ايبولا ، شراكة تسمى ” برنامج الأمن الصحي العالمي ” لحشد الجهود ضد التهديدات الصحية لكنها لم تثمر شيئا ، فتفعيل هذه الشراكة على ما يبدو كان يحتاج أن يخوض العالم تهديدا أكبر ، وان لم يستفد من هذه التجربة لتوجيه اهتمامه نحو تعزيز الأمن الصحي العالمي مستقبلا ، فقد يتسبب كورونا اخر في فناء البشرية .
4_ واذا هناك درس يجب استخلاصه من كورونا ، مهما كانت نتائج الحرب الضروس معها ، فهو أن المغرب يستحق أحسن مما يعيشه ، يستحق قسمة أكثر عدلا ، ويستحق المواطنة والكرامة .
ان لجنة شكيب بنموسى التي انيطت بها مهمة إعادة رسم طريق المملكة بعدما وصلت الأوضاع الاجتماعية الى الطريق المسدود ، لها اليوم حظوظ نبي مرسل من القدر لرسم معالم مغرب ما بعد الجائحة . وفي هذا الزمن الذي يمكن للمغاربة أن ينسوا فيه خصومتهم مع كل ما يأتي من المؤسسات الرسمية ، هناك فرصة ذهبية قد تنبثق من محنة الوباء للتعبئة من مملكة موحدة متضامنة ، يعلو فيها القطاع العام على أي قطاع ، وتكون فيه الأولوية للصحة العمومية والتعليم العمومي ومحاربة الفساد والمفسدين واعطاء الكلمة للشعب بدل اعطائها لناهبيه .

عن mostafa laghlimi

شاهد أيضاً

Kevin Darné Provides Specialist Partnership Guidance at LoveAlert911.com

The Short Version: Seasoned daters who move from one hit a brick wall link to …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.