قصة قصيرة.. “قلوب مظلمة”

بقلم : شيماء نجم عبد الله 

لطالما شدَّتني تلك الحروف البارزة، ملمسها يشبه ملمس الدومينو حين تفكر في كيفية ترتيببها وفكّ ألغازها، لا أعلم لِمَ أشبهها بالدومينو؟
ولكني أراها هكذا، حرارة الشمس جعلتني أحاول اختصار الكثير من الوقت، المكتبات مليئة بالكتب لكني لا أجد ما أريد، فتشت أغلب البسطيات العشوائية الترتيب بعضها مرتفع وبعضها منخفض، عند إحداها وجدت الكثير من الكتب قمت بتفتيشها وتلمسها وجدت بينها ضالّتي، كتابٌ ذو حروفٍ بارزة، بادرت بالسؤال:
-كم سعره؟
– كلُّ الكتب التي تحت يدك بألفي دينار فقط، أما تلك التي في داخل الكيس الأسمر بألف دينار.
– سآخذ هذا، ودعني أبحث في الكيس قد أجد شيءً ينفعني.

مددت يدي إلى داخل الكيس وكأني أغوص في بحر مظلم أبحث وأبحث حتّى أجد سمكة سمينة أقصد كتابا غنيا ذا صفحة بيضاء لا ترى منه شيء سوى حروف تبرز من قلب الورقة، أغمض عيني لأتلمسه وأعيش ما في داخله، سمعت أحدهم يقول:
– أترى هذا المسكين كيف يحاول القراءة وهو أعمى.
– كفاك يا أبي، أينما ذهبت تضرب لي الأمثال، دعني وشأني.

أغلقت الكتاب ووضعته في حقيبتي، دون أن التفت إليهم واستقمت واقفا، سحبتُ عصا كانت موضوعة بالقرب مني دفعت ثمنها وأخذت استدل على طريقي من خلالها، سمعت الأب يتكلم بصوت خفيض:
-ابتعد عن طريقه كي يمرّ .
– لن أبتعد ، فليمرّ كما يقرأ، ألا يقرأ باللمس؟! فليمشي بالإحساس إذن.

تصنعت عدم سماعي لهم، رفعت العصا وضربت بكلًّ قوتي على قدمه، وسرت بخطىً متثاقلة حتّى لا أنزلق أو أتعثر في طريقي، دبيب قدميه أثار الغبار من حوله، صاح بغضب:
– ما بك ألا ترى؟
ضحكت في سرّي ولم أعره انتباه، بل أكملت طريقي وأنا أضع العصا على كتفي ملتفتا له:
– العمى ليس بعمى البصر بل بعمى القلوب.
– أبي انظر إنه ليس بأعمى كما ظننت فهو يشتمني وينظر إلي!
– تستحق ذلك، بل أكثر منه.

حملت حصى مرمية على الأرض، وضعتها في جيبي وسرت أعد الباقي منها المتناثر على طول الطريق، بعضها أبعده بعصاي وبعضه أركله بقدمي، وصلت داري وأنا أسترجع لحظاتي مع الفتى، لو كنت… فعلا كيف سأتدبر أمري؟
جلست على الكرسي البلاستيك الذي أضعه أمام الباب الخارجي، أترقب المارّة ذهابا وإيابا وامدد عصاي بالقرب مني، كان ينقصني كلبا وفيا حتّى تكتمل لدي الصورة، صورة الأعمى مع كلبه وعصاه وكتاب ذي حروف بارزة، وضعت نظارة سوداء على عيني ورفعت رأسي للأعلى وأخذت أتلمس الكتاب الذي اشتريته، فهمت من أول سطوره بأنه يتكلم عن قصة حبّ ، أغمضت عيني وغرقت في أعماق هذه القصة، حتّى شعرت بقبلة باردة على وجنتي مع بعض من اللعاب يلحقها، لمسات هنا وهناك، أنقذت ذاتي من غرقي، نفضت الحروف من عقلي وإذا بكلب الجار يراودني عن طعامي، رميت له الصحن لأتخلص من قبلاته التي قطعت عليَّ لحظات الحبِّ التي قد عشتها مع الحروف البارزة، عدت لأتكئ على ظهر الكرسي لعليّْ أكمل ما بدأت ولكني تذكرت شيئا، حملت كرسيي وعصاي وكتابي ودخلت لداري دون الكلب الذي تركته في الخارج لأني لا أريد إكمال هذه الصورة في داخل منزلي، يكفيني أنَّ خيالي يعاني من عمى مستمر ويرتطم بي في كلِّ مرة أدخل فيها إلى منزلي المظلم.

 

عن Neven Abdeen

شاهد أيضاً

مغرورة لا تعنيني.

— بقلم/ أشرف عزالدين محمود تَسْجوبني كثيرًا ..فأَبَحْتُ لِنَفْسِي لأَكْتُبَ عَنْهَا..فتقول متسائلة:-كيف لَمْ تطْلُبْ الإذْنَاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.