نزيف القيم

كتب محمد حمدي

يفتقر العصر الذي نحياه للأسف الشديد لمنظومة القيم والتي من المفترض أنها تحكم وتوجه سلوكيات أفراد المجتمع والمبنية على مخزون القيم والأخلاق والثقافات لدى الفرد والذي يمثل النواة الأساسية للمجتمع ولست أزعم أن الخلل في هذا العصر بل أؤيد ذلك الشاعر الذي يرد العيب لأصله فيقول : –
نعيب زماننا والعيب فينا … – … وما لزماننا عيب سوانا
فالعيب ليس عيب الزمان بل العيب والخلل عيب رواد هذا العصر .
وقد تكون أسباب كثيرة وراء هذا القصور الفج في منظومة القيم لعل منها سرعة إيقاع العصر وانشغال الناس في أرزاقهم مما أدى تدريجيا إلى تأكل العلاقات والروابط الاجتماعية ثم الضغوط المالية والتي ألهت كل منا في همه فتوحد مع ذاته وهمومه واحتياجاته ومع ظهور الأغنياء الجدد والذين وصلوا إلى هذه الثروات على حساب الكثير من القيم وما يحاولون تمريره وتعميقه في نفوسنا مستخدمين بريق أموالهم وللأسف يجدون من يبيع كل شئ بدعوى الحاجة .
لذا دعونا نعرض قصة نحتاج إلى النظر فيها واستنتاج العظة والعبرة منها حيث يروى أن الفاروق عمر كان جالسا بين أصحابه فإذا بشابين مسرعين يقبلان على مجلس عمر يجران رجل فبادرهما عمر قائلا : – ما شأنكما ؟
فقالا في صوت واحد : – لقد قتل هذا الرجل أبانا القصاص يا أمير المؤمنين القصاص
فألتفت الفاروق إلى القاتل وسأله : – هل قتلت أبا الشابين ؟
القاتل : – نعم يا أمير المؤمنين لقد دخل أرضي مرارا وحذرته كثيرا فلم يرعوي فرميته بحجر فشج رأسه فمات
نظر الفاروق للشابين فقال : – هل تعفوان ؟
فأجاب الشابان : – لا يا أمير المؤمنين بل القصاص
عندها قال الفاروق : – إذن هو القصاص قربوا الرجل
فإذ بالقاتل يبكي ويقول : – يا أمير المؤمنين إن لي أطفال وزوجة في الصحراء فأذن لي ثلاثا أطعمهم وأخبرهم بخبري هذا
الفاروق : – ومن يكفلك ؟
نظر الرجل إلى وجوه الحاضرين فلم يكفله أحد وفجأة كفله الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري
فقال له عمر ‘ – حق الكفالة أن تحل محله إذا لم يحضر
وافق أبو ذر وانطلق الرجل وجاء اليوم المنشود وكادت الشمس أن تغيب وقرب أبو ذر ليؤدي حق الكفالة وإذ بالقاتل يقبل مهرولا وسط ذهول الجميع
فيبادره عمر سائلا : – ما الذي جاء بك ؟ فوالله لا يعرفك أحد ولا يعرف مكانك أحد
القاتل : – جئت يا أمير لئلا يقال ضاع الوفاء
تعجب عمر وسأل أبا ذر وقال : – وأنت يا أبا ذر ما دفعك لتكفله وأنت لا تعرفه ؟!
فقال أبو ذر : – كفلته يا أمير المؤمنين لئلا يقال ضاعت المروءة بيننا
فازداد تعجب عمر ونظر للشابين فقالا : – ونحن يا أمير المؤمنين عفونا لوجه الله لئلا يقال ضاع العفو بيننا
ما أحوجنا إلى قلوب مثل هذه القلوب وأخلاق وقيم مثل تلك القيم ولعل هذه القصة لخصت كل خواطري وأفكاري .

عن Rawan Ashraf

شاهد أيضاً

محمد صبري … ملك القلوب

بقلم: محمد مجدي عقل بدأت مسيرة العمل العام وخدمة المجتمع في مدينة الإسكندرية على مدار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.