مفهومان مترابطان : الانتقال الديموقراطي والمنهجية الديموقراطية

مكتب المغرب عبد السلام المساوي 
يتبين وبالملموس ان الاتحاد الاشتراكي ، عندما يرفع شعارا او ينتج مفهوما او يطرح برنامج سياسيا ، فليس بغرض التمويه والتغليط ، الضجيج والبهرجة ، وليس بغرض دغدغة عواطف الجمهور والسيطرة على مشاعره وكسب أصواته ….
ان مفاهيم الاتحاد الاشتراكي مفاهيم نابعة من وعي نظري عميق وقابلة لتجريب عملي مسؤول …من هنا كانت هذه المفاهيم ، وفي كل مرة ، ثورة في حقل سياسي يطغى عليه العقم والجمود ، الاجترار والرتابة …
وارتباطا بحصيلة حكومة التناوب ، أنتج الاتحاد الاشتراكي مفهوما حرك المشهد السياسي ببلادنا ، وما زال ، انه مفهوم ” المنهجية الديموقراطية ” ، الذي احتاج الى اكثر من وقفة تأمل حينئذ ، والذي كان له حضور قوي في دستور 2011 , ويحضر الان في النقاشات السياسية المتعلقة بالمطالبة بتعديل الفصل 47 من الدستور واصلاح المنظومة الانتخابية ، تفاديا لكل بلوكاج كما حدث مع رئيس الحكومة السابق ، المعين والمعفى ؛ عبد الإله بنكيران ….
مهما قيل ويقال عن تدبير حزب الاتحاد الاشتراكي لحكومة التناوب التوافقي ، الا ان الاتحاد انعش الامل في نفوس المغاربة في أواخر التسعينبات ، وأدخل المغرب في مرحلة جديدة لا يمكن إنكار جوانبها الإيجابية .
فالاتحاد الاشتراكي قاد حكومة التناوب بحسناتها وعيوبها بحكمة واقتدار ، وكان يطمح إلى متابعة التجربة بعد الانتخابات بشحنة صناديق الاقتراع التي بوأته الصدارة ، لكن المنهجية الديموقراطية لم تحترم ، وجاء وزير اول ليقود تجربة أخرى ليست تناوبا توافقيا طبعا ، لكنه تيقنوقراطي يقود احزابا ربحت في الانتخابات ، وهذا من الناحية الدستورية يعتبر مشروعا وقانونيا ، لكنه ساهم في تعطيل الانتقال الديموقراطي ببلادنا .
ومفهوم ” الانتقال الديموقراطي ” مفهوم اخر اكسبه الاتحاد الاشتراكي حمولته السياسية المرحلية ، ونبه محذرا من المخاطر التي تتهدده …
ومعلوم في الأدبيات السياسية ، ان مفهوم الانتقال الديموقراطي يستعمل لوصف التحولات الجذرية التي تقع في نظام سياسي يتميز بطبيعته الشمولية ، هذه التحولات قد تتخذ أشكالا متعددة ، وتتم على مستويات مختلفة ، حسب تجارب الانتقال الديموقراطي التي عرفتها بعض المجتمعات في الربع الأخير من القرن الماضي .
ولكن الأساسي فيها هو الانفتاح على المجتمع وعلى القوى الجديدة الفاعلة فيه ( الأحزاب ، النقابات ، تنظيمات المجتمع المدني …) ، وعلى مطالبه الأساسية المتصلة بثلاث مجالات : الديموقراطية ، حقوق الانسان ، الاقتصاد ، وهذا مقابل تخلي النظام السياسي عن احتكار السلطة ومركزة القرارات في دوائر ضيقة وفق منهجية لا تتأسس على فلسفة النقاش العمومي ، والتفاوض والتوافق بحيث يتيح بهذا الشكل للارادات المختلفة ان تظهر ، وللطاقات الفردية والجماعية ان تنطلق وتعبر عن نفسها .
من الناحية التاريخية ، راكمت التجربة البشرية عددا من نماذج الانتقال الديموقراطي الناجحة الى هذا الحد او ذاك ، اغلبها حدثت في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي : اليونان ، البرتغال ، اسبانيا ، امريكا اللاتينية ، اوربا الشرقية ، جنوب افريقيا …الخ .
ان عمليات الانتقال الديموقراطي لم تكن تتم وفق مسار أو طريق واحد ، كما أنها وهذا أهم ما يميزها ، ليست انتقالا سهلا من نظام الى اخر . انها بالعكس عملية معقدة وصعبة ، كشفت كل التجارب انها تطلبت تضحيات كثيرة ، وتسببت في في مقاومات وصراعات بين القوى القديمة والجديدة ، وبين مراكز النفوذ وشبكات المصالح …
وكلنا يتذكر كيف عملت جيوب المقاومة في المغرب على إعادة النسق السياسي الى مرحلة 1994 ، إذ أن فشل التناوب معناه آنذاك تعطيل الانتقال الديموقراطي ، وتبين أن الإرادة الحقيقية لتحقيق الانتقال غير موجودة عند بعض الفاعلين الأساسيين في الحقل السياسي المغربي …
وتبين للاتحاد الاشتراكي ان الانتقال الديموقراطي كمشروع اجتماعي ، يستلزم في التجربة المغربية إصلاحا دستوريا حقيقيا ، وتغييرات جذرية على المستوى السياسي والاقتصادي .
فمفهوم الانتقال الديموقراطي مفهوم غامض وملتبس ، ولا أقصد هنا الالتباس اللغوي ، بل الالتباس الانطولوجي ، وكل بلد يمر بمرحلة الانتقال الديموقراطي ، فهو إما مؤهل للانتقال الديموقراطي ببطء او بسرعة الى مرحلة ارقى وهي مرحلة الديموقراطية كطريق للتنمية والاستقرار الأمني والعدالة الاجتماعية …كما حدث في اسبانيا وغيرها من دول أوربا وأمريكا اللاتينية …واما مهدد بالانحدار الى مرحلة اسوأ ، مرحلة العنف وضعف الدولة …كما يحدث في الكثير من الدول العربية …
ان مرحلة الانتقال الديموقراطي ، حتى وإن كانت مؤقتة في الزمان والمكان ، فإن انجاحها يتطلب الكثير من الحذر واليقظة ، وتدبيرها يحتاج إلى الكثير من الذكاء والإرادة .
وما حدث في المغرب سنة 2002 من إجهاض للمنهجية الديموقراطية أجل الانتقال إلى الديموقراطية …وكان ” الربيع ” العربي ، وكانت حركة 20 فبراير ، وكان دستور 2011 الذي دستر مفهوم ” المنهجية الديموقراطية ” ، الذي يعتبر إبداعا اتحاديا ، ولكن الذي استفاد منه في 2007 , وفي 2011 و 2016 , هو حزب الاستقلال قبل الدسترة ، وحزب العدالة والتنمية بعد الدسترة …نحن نزرع وهم يحصدون ، لا يهم فالاتحاد الاشتراكي يعمل من أجل الوطن لا من أجل الحزب ، ويقوي المؤسسات لا الأشخاص .
والملاحظ اليوم ان هناك من يوظف مفهوم المنهجية الديموقراطية توظيفا سيئا باستعماله خارج السياق التاريخي الذي انتجه . فالمفهوم في النسق الاتحادي له حمولة سياسية قوية ، نضالية واحتجاجية ، انه المفهوم – الحدث الذي وشم المسار السياسي ببلادنا ، بدلالاته وتحذيراته ، وهو المفهوم الذي أعفانا من قراءة الكثير من البيانات والمقالات والتحليلات ، لقد كان مفهوما دقيقا ودالا ، مركزا وعميقا …وكان له ما بعده …
ان النقاش الذي دار ويدور – حول التعديلات الدستورية ( والاتحاد الاشتراكي لا يطرح الفصل 47 لوحده ) واصلاح المنظومة الانتخابية ،هو نوع من النقاشات التي يحمل الدستور بذورها منذ الانطلاق …
والمطلوب عدم إفراغ مفهوم المنهجية الديموقراطية من حمولته السياسية التي شكلت انتفاضة شجاعة في المحطة إياها . والمطلوب عدم اجتراره بشكل بليد واستعماله استعمالا انتهازيا …
انه ، عندما طالب الاتحاد الاشتراكي بضرورة اعتماد المنهجية الديموقراطية ، الجميع وقف متفرجا ومنتظرا تعطيلها من مواقع وخلفيات وأهداف متباينة …واليوم يتم السطو على المفهوم بانتهازية سياسوية ساذجة …
الاتحاد يظهر في الصباح ، يبدع وينتج ، وغيره يظهر في المساء ليستفيد …انهم بوم السياسة !

عن mostafa laghlimi

شاهد أيضاً

عاجل. الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يصل إلى مكتب المدعي العام في نيويورك لتحقيق معه

محمد حكيم وصل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، اليوم الأربعاء، إلى مكتب المدعي العام في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.