الرئيسية / القسم الادبي / قصة قصيرة ((زوجة ترانزيت))

قصة قصيرة ((زوجة ترانزيت))

 

بقلم / تغريد مصباح

كنت أجلس خلف مكتبي ، أتابع رسائل القراء ، وعيوني حائرة بين عشرات الخطابات ،

المختلفة الأحجام والألوان والعناوين ، حينما رن هاتفي النقال ، إنها أمي تخبرني بصوتها الحنون ، أن لا أتأخر في الجريدة ، فأسرة المهندس طارق ، ستصل في تمام السادسة مساء ، ويجب أن أعود مبكرا ، لكي استعد لاستقبالهم ، وقفت الكلمات في حلقي ، وتلعثمت في الرد ، فما زلت في فترة التفكير ، فمهندس طارق ، عريس لا يمكن رفضه ، ولكنني لن اقبل ، بان يسافر إلى الخليج ، ويتركني في مصر ، أعاني الوحدة ومرارة البعد ، ولولا أنها الفرصة شبه الأخيرة في حياتي ، لرفضت على الفور ، وما تركت لنفسي الفرصة للتفكير ، وعدت أمي بأنني سأنتهي من عملي على الفور ، وأنهيت المحادثة مع أمي ، وفتشت بعيوني بين عشرات الرسائل ، يجب علي اختيار رسالة واحدة فقط ، انتهي منها على عجل ، وانصرف إلى البيت ، لفت نظري خطاب ابيض اللون ، مكتوب عليه ( أرجو سرعة الرد ) ، التقطته من بين عشرات الخطابات ، فتحته من جانبه الأيمن ، وفردت تلك الرسالة الطويلة ، التي تقع في خمس صفحات ، مكتوبة بخط رقيق ومنمق …

( … عزيزتي محررة باب بريد القراء ، اكتب إليك رسالتي ، وأنا في أمس الحاجة ، إلى من يمد يده نحوي ، وينتشلني من البحر المتلاطم الأمواج ، الذي سقطت بداخله رغما عني ، سأعرض عليك حكايتي ، لعلي أجد لديك طوق النجاة ، من الكارثة التي أعيش بين جدرانها ..

أسمي نجلاء ، فتاة من أسرة متوسطة ، واحدة من خمسة أشقاء ، يعمل والدي موظفا ، في إحدى شركات القطاع العام ، رغم الظروف الصعبة التي نعيشها ، استطاع والدي أن يتحمل أعباء التعليم ، حتى استطعنا التخرج من كليات مختلفة ، واستطعت الحصول على كلية التجارة ، ولكنني فشلت في الحصول على عمل ، وظللت قابعة في البيت ، حتى تزوج إخوتي جميعا ، حتى شقيقتي الصغرى ، ولم يتبقى غيري ، ورغم جمالي الملفت للنظر ، غير أنني ظللت ارفض العريس تلو الآخر ، لأسباب مختلفة ، قد تكون مقنعة من وجهة نظر أسرتي، أو لأنني ما زلت أفتش عن فارس الأحلام ، حتى قارب عمري على الثلاثين ، وبدأت أشعر بنظرات الحزن والشفقة ، على وجه أمي ، واسمع دعواتها المستمرة ، التي تعانق السماء ، بــأن يأتي فارس الأحلام قبل فوات الأوان .

حتى جاء ذلك اليوم السعيد ، حينما طرقت باب شقتنا ، جارتنا أم أسامة ، لتزف إلينا بشرى قدوم فارس الأحلام ، ولكن تلك المرة ، كان مناسبا جدا ، ولم يكن هناك مبررا للرفض ، فتحي نصير ، شاب في بداية الأربعين ، وسيم الشكل ، ممتاز المظهر ، ميسور الحال ، يعمل محاسبا في احد دول الخليج ، والأهم من ذلك ، انه لم يسبق له الزواج ، حينما وصفت له جارتنا أم أسامة جمالي وأخلاقي ، طلب منها على الفور ، تحديد موعدا لرؤيتي ، انفرجت أسارير أمي ، وسرت الفرحة أرجاء البيت ، وتنفس والدي الصعداء ، وحدد موعدا للزيارة .

في الميعاد المحدد ، جاء العريس المنتظر ، فاستقبله أبي استقبال الأبطال ، وتهللت ملامح أمي بالسعادة والرضا ، حينما رأت كم الهدايا التي جلبها معه، ورائحة النعمة التي تفوح من ملابسه . كنت جالسة في غرفتي ، حينما فتحت أمي الباب ودخلت ، والسعادة تطل من ملامحها ، فالعريس كما وصفته جارتنا ، بالفعل فارس الأحلام ، الذي تنتظره أية فتاة ، والذي جاء في الوقت الضائع ، ليزيل الغمة ، ازدادت ضربات قلبي ، وأمي تسحبني من يدي ، إلى غرفة الصالون ، حيث يجلس الفارس ، في انتظار معاينة الجارية ، جلست أمامه في حياء وخجل ، لم انظر إليه ، بقدر ما كنت انظر ، إلى ملامح أبي وأمي ، اللذان ينتظران إشارة من العريس ، بان ابنتهما قد لاقت القبول والرضا ، وبمجرد أن نظر العريس إلى جارتنا ، وابتسم وهز رأسه بالقبول ، حتى أطلقت أم أسامة زغرودة قوية ، لفت أرجاء البيت ، فهرولت إلى غرفتي ، والدموع تترقرق على خدي المتورد من حمرة الخجل .

كم كنت أتمنى ، أن أتزوج بعد قصة حب رائعة ، ما الذي يجبرني على زواج الصالونات ، الذي رفضت الكثيرين بسببه ، ولكن ليس هناك وقت للاختيار ، لابد أن اقبل ذلك العريس رغما عني ، جففت دموعي ، حينما دخل والدي ، ربت على ظهري ، وسألني عن رأيي في العريس ، كانت كلمة الرفض على طرف لساني ، ولكن عيون أبي ، كانت تترجاني أن أوافق ، فالأيام تجري بلا رحمة ، وقطار المتقدمين سيتوقف لا محالة ، وقد تكون هذه الفرصة ، هي أخر الفرص الضائعة ، وقد أندم عليها طوال حياتي ، فأومأت بالموافقة رغما عني ، رغم الشعور الذي تملك قلبي ، يحذرني من تلك الزيجة ، احتضنني أبي وبكى ، وأطلقت أمي الزغاريد بلا حساب ، رغم دموعي التي لا يعلم سببها إلا الله ، يظنون أنها دموع الفرح ، ولكنها دموع الحسرة ، على تلك العادات والتقاليد العقيمة ، التي تجبر البنت ، التي تقدم بها قطار العمر بلا زواج ، أن توافق على أي عابر سبيل يتقدم إليها ، لكي تتخلص من لقب عانس ، وتحصل على لقب متزوجة.

هرول أبي نحو العريس ، ليبشره بموافقتي على الزواج ، لم يكن قبولي مفاجأة بالنسبة إليه ، فهو يرى نفسه ، عريس لا يمكن رفضه ، وتم الاتفاق على كل شيء ، ووافق فتحي على كل طلبات أسرتي ، وتم تحديد موعد حفل الزفاف ، فإجازته قد أوشكت على الانقضاء ، ويجب الانتهاء من مراسم الزواج ، في غضون أسبوعين ، وبالفعل لم يمر أسبوعين ، حتى وجدت نفسي معه ، تحت سقف واحد . مر شهر العسل في سعادة ، كان أجمل مما أتوقع ، كان فتحي ، حنون ، كريم ، دائم الابتسامة ، لين في التعامل ، حتى استطعت خلال فترة وجيزة ، من التأقلم مع حياتي الجديدة .

انتهت أجازته بسرعة ، واقترب موعد السفر، فأجلسني أمامه في حنو بالغ ، وأخبرني بكل حزن وأسى ، انه لن يستطيع ، أن يأخذني معه ، في هذه الإجازة ، فهو يعيش في شقة مشتركة مع زملاء العمل ، ووعدني أن يصطحبني معه في الإجازة القادمة ، ابتسمت وقلبي يعتصر حزنا ، وللمرة الثانية أجبرتني ظروفي على وضع أرفضه ، سأصبح زوجة مع إيقاف التنفيذ ، لمدة احد عشر شهرا ، بعد زواج لم يدم أكثر من شهر .

في يوم سفره ، ودعني ودموعه على خده ، أبدى عجزه عن التصرف ، فلن يستطيع بأي حال من الأحوال أن يأخذني معه . وضع مبلغا كبيرا من المال في يدي ، ودون رقم هاتفه الجوال ، ووعدني أن يتصل بي ، كلما سمحت ظروف عمله ، وشدد علي ألا اطلبه ، إلا للضرورة القصوى .

عدت إلى بيت أبي مرة أخرى ، ولكنني الآن احمل لقب متزوجة ، كانت سعادة أسرتي لا توصف ، وأنا أحاول رسم الابتسامة على وجهي ، حتى لا يشتموا رائحة احتراق قلبي .

مر العام ، بكل ما فيه من حزن ، مفعم بمرارة البعد والهجران ، حتى رن هاتفي النقال ، انه زوجي فتحي ، يبشرني بموعد عودته السنوية إلى مصر ، فهرولت إلى شقتي ، وجلست في انتظاره ، والأشواق تحرقني ، عاد فتحي يحمل مشاعر الشوق واللهفة ، أخبرني أن أجازته ستكون ثلاثة أشهر ، سوف يعوضني خلالها ، عن شهور البعد والحرمان ، وأننا سنقضي شهر عسل من جديد ، كان كريما أشد الكرم ، في مشاعره وعطاياه الثمينة ، قضينا الأجازة في التنقل بين الأماكن السياحية ، التي لم أكن أحلم بزيارتها ، حتى اقتربت الإجازة على الانتهاء ، وكنت قد هيئت نفسي ، للسفر معه كما وعدني ، ولكنني لاحظت على ملامحه حيرة وقلق ، لديه رغبة في إخباري بشيء ، ولكنه متردد ، رغم رغبتي الشديدة ، في معرفة ما يجول بخاطره ، لكنني آثرت الصمت ، خوفا من مفاجأة ، أجبر على قبولها من جديد ، ولكن حدث ما لم يكن متوقعا ، شعرت بدوار شديد ، فعرضني على طبيبة أمراض نساء ، فأخبرتنا بأنني حامل ، شعرت بسعادة بالغة ، ولكنني لاحظت أن فتحي ، لا تبدو عليه أمارات السعادة ، وكأن الخبر لا يمثل له أهمية ، مما أثار دهشتي ، رجل قد تخطى الأربعون ، ولا يفرح بقدوم طفل ، سيحمل اسمه من بعده ، شعرت أن هناك شيئا غامضا ، ولكنني رأيت أن سفري معه ، سيوضح الكثير من تلك الأمور الغامضة ، ولكن سعادتي لم تكتمل ، حينما أمرتني الطبيبة ، بالراحة التامة خلال الأشهر القادمة ، حتى يستقر الحمل ، وحينما أخبرتها عن اعتزامي السفر إلى الخليج ، حذرتني من المخاطرة ، حتى لا يسقط الحمل ، فظهرت على فتحي أمارات السعادة والارتياح ، وأخبر الطبيبة ، انه ليست هناك أية مشكلة ، في بقائي في مصر، لمتابعة الحمل .

سافر فتحي للمرة الثانية ، وتركني في مصر ، أعاني الوحدة ومرارة الفراق ، وعدت إلي بيت أبي من جديد ، وأنا احمل لقب حامل ، ومرت شهور الحمل ، رغم الآلام الشديدة ، التي عانيت منها ، طوال فترة الحمل ، حتى جاء موعد الولادة ، واضطرت الطبيبة إلى الولادة القيصرية ، نظرا لحالتي الصحية والنفسية الصعبة ، وجاءت ابنتي الجميلة إلى الدنيا ، لتضيء وحدتي المظلمة ، واتصلت عليه لأخبره بالخبر السعيد ، طلبت منه أن أطلق عليها اسم ( هنا ) لكنه تعصب ، وأجبرني أن أطلق عليها اسم ( سيلا ).

ومرت السنوات ، ومع نهاية كل زيارة ، تظهر المبررات والأعذار ، التي تبدو كاذبة ، والتي تمنعه من اصطحابي معه ، واستمر الوضع على ما هو عليه ، حتى وصلت سيلا ، إلى عامها الرابع ، وأنا أعيش الصبر بكل معناه ، من أجل ابنتي ، ومن خوفي الشديد من الانفصال ، إذا ما أبديت اعتراضي ، على الوضع الراهن.

حتى حدثت المفاجأة ، وظهرت الحقيقة واضحة وضوح الشمس ، حينما أمسكت سيلا بهاتفي النقال ، واتصلت بأحد الأرقام المدونة على هاتفي ، فظهر صوت امرأة ، يبدو من لكنتها أنها خليجية ، فشعرت بالحرج ، وأنهيت المحادثة ، وعنفت ابنتي ، لكنني شعرت بصدمة ، حينما نظرت إلى الرقم ، التي اتصلت به سيلا ، فوجدته رقم الشريحة ، التي يستخدمها فتحي ، أثناء تواجده في مصر ، لم اصدق عيوني ، وشرد عقلي من التفكير ، لقد سافر زوجي منذ أسبوع ، ومن تلك السيدة التي تحمل هاتفه ؟! ، لم أتمالك نفسي ، فأمسكت بالهاتف ، وطلبت نفس الرقم ، لا قطع الشك باليقين ، جمعت كل قوتي ، أبتلع ريقي بصعوبة ، في انتظار الرد ، حتى جاء صوت نفس المرأة الخليجية ، سألتها عن صاحبة الهاتف ، فكانت المفاجأة التي حطمت أعصابي ، حينما أخبرتني ، انه رقم زوجها المحاسب فتحي نصير ، كان ردها كفيلا بان يحطم أعصابي ، فلم استطع الرد عليها ، وأنهيت المحادثة على الفور .

جلست مشتتة الذهن ، ولكنني قررت التأكد ، فطلبت نفس الرقم ، ولكن من رقم مختلف ، وكانت المفاجأة الأكبر ، حينما رد فتحي بنفسه ، فأخبرته بمعرفتي بوجوده في مصر ، وطلبت منه الحضور فورا إلى البيت .

فحضر بسرعة ، خوفا من أن يكون قد أصاب ابنتنا سيلا ضرر ، وحينما حضر ، أخبرته بكل ما حدث ، وعن تلك السيدة الخليجية ، التي ردت على الهاتف ، فرد بكل برود وثقة وعدم خوف ، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال ، ويستعد للرد ، أخبرني أنها زوجته الأولى وأم أولاده ، وصاحبة الشركة التي يعمل فيها ، هبط كلامه على رأسي كالصاعقة ، لم ادري كيف أتصرف ، مع ذلك الزوج الكاذب المخادع .

اقترب مني وربت على كتفي ، محاولا مسح الدموع ، التي تهطل من عيوني بشدة ، حاول أن يلين قلبي وعقلي لكذباته ، أنني أعيش معه في سعادة وهناء ، على مدار خمس سنوات ، ولم أشعر خلال تلك السنوات ، أن هناك امرأة غيري في حياته ، ولولا تلك الصدفة السيئة ، لاستمرت السعادة والهناء ، حملقت فيه غير مصدقة ، لتلك الكذبات المتتالية ، من اخبره بأنني سعيدة بكوني زوجة ترانزيت ، زوجة على الهامش ، زوجة في قائمة الانتظار …

فقررت منذ تلك اللحظة ، أن أكون صاحبة القرار ، في مسيرة حياتي التي أجبرت عليها ، كنت انظر إلى ابنتي سيلا ، وقلبي يتقطع ، ولكنني رفعت وجهي بعيدا عنها ، وأعطيت لعقلي حقه الشرعي في تقرير مصيري ، وطلبت منه الطلاق ، لأنهي تلك الكارثة ، وان لا أعيش زوجة مهجورة ، في انتظار زوج يعيش مع زوجة أخرى ، يعطيها كامل حقوقها ، بينما أجلس على في مقاعد البدلاء ، في انتظار دوري ، فقاطعني فتحي بصفعة على وجهي ، وابتسم ساخرا بأنه لن يطلقني ، طالبني بأن أحمد الله ، على تلك العيشة الرغدة ، التي لم أكن أحلم بها ، والتي تحلم بها أي فتاة ، في نفس ظروفي ، ركل ابنته سيلا المتشبثة في بنطاله ، وهرول إلى خارج الشقة ، ألقيت بجسدي على اقرب مقعد ، وأنا بين نارين ، بين أن أقبل أن أكون زوجة تحت الطلب ، أو أن أحصل على لقب مطلقة ، وأعود إلى بيت أبي صفر اليدين .. )

بعد أن انتهيت من قراءة الرسالة ، شعرت بان هذه الرسالة ، ليست من تلك السيدة ، التي تدعى نجلاء ، إنما هي رسالة من القدر ، لكي أختار القرار الصواب ، لن أكرر تجربة آلاف البنات اللواتي ، خشين من لقب عانس ، ولكن سرعان ما حصلن على لقب مطلقة ، أو زوجة تحت الطلب ، أو قضين بقية حياتهن بين المحاكم ، ينتظرن حكم القضاء ، بإخلاء سبيلهن من قفص الزوجية الحديدي ..

عن Faten Ammen

شاهد أيضاً

كهف وادي سنور عبارة عن كهف مغطى بالمرمر ناتج عن الينابيع الحرارية، يقع على بعد 10 كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *