قصة قصيرة دعوة فرح

 

٠

بقلم/ تغريد مصباح

وقف أمام المرآة ، يتأمل وجهه المفعم بالحيوية ، وشعره الأصفر ، وعينيه العسليتين ، فابتسم وهو يتأمل تلك الصورة المعلقة على الحائط ، والمرسومة بالألوان الزيتية ، لفتاة في العشرين من عمرها ، وجهها مشبع بالحمرة ، وشعرها الأصفر يتدلى ، على كتفيها العاريين ، شعر بالنشوة تجتاح جسده ، اتجه إلى مكتبته العامرة بالكتب ، وأخذ يفتش عن كتاب يقرأه ، حتى وجد رواية رومانسية ،أعجبه غلافها كثيرا ، احتضنها في سعادة ، وهرع إلى غرفة نومه ، أشعل الضوء الخافت ، وألقى بجسده على السرير ، وشرع يقرأها في متعة لا نظير لها ، وفنجان القهوة السادة ، تفوح منه رائحة البن التركي ، وصوت الموسيقى الهادئة ، التي تريح أعصابه ، تبعث من جهاز جرامافون عتيق ..

سرح بخياله في شيماء ، تلك الفتاة الخمرية ، ذات العشرون ربيعا ، التي تمتلك حضورا لا نظير له ، فمنذ الوهلة الأولى ، التي رآها فيها ، وتعلق قلبه بها ، وتمنى أن تكون نصفه الجميل ، الذي يفتش عنه ، فمنذ أن عملت في شركته منذ شهور، وانقلبت حياته رأسا على عقب ، فصار يختار ملابسه بعناية ، ينبه على ساعي مكتبه ، بوضع الورد الأحمر ، على مكتبه كل صباح ، يتفقد سير العمل بمكاتب الشركة ، يلقي بالتحية على الموظفين ، يتجول بداخل أقسام الشركة ، حتى يصل إلى القسم ، الذي تعمل به شيماء ، فيسلم عليها بحرارة ، ويسألها في تودد عن أخبارها ، وعن أي معوقات تعوق عملها ، ويخبرها أن بابه ، دائما مفتوحا لها ، في أي وقت ، يوصى مديرها الشاب ، بأن يتابع عملها ، ويساعدها في اكتساب الخبرة ، فهي خامة جيدة ، وسيكون لها شان عظيم في الشركة ، وانه قد آن الأوان ، أن يتولى الشباب ، المراكز القيادية بالشركة .

لا يجد أدنى حرج ، في أن ينتظرها ، بعد انتهاء العمل ، ويعرض عليها ، أن يوصلها بسيارته إلى بيتها ، فالمواصلات تكون صعبة ، في وقت الذروة ، فتقبل منه أحيانا ، وترفض أحيانا كثيرة ، خوفا من نظرات زملاء الشركة ، فهي فتاة في مقتبل العمر ، ولن تتحمل أن تصبح سيرتها ، علكة في أفواه ، موظفو الشركة ، وحينما تشعر بالحرج من رفض طلبه ، تقبل أن يوصلها .

تركب السيارة بجواره في خجل ، رغم أن ما يدور بينهما ، مجرد حوار شبه روتيني ، عن العمل ومشاكله ، ورغبتها في تحقق انجازاً في الشركة ، حتى تكون عند حسن ظنه ، يتحدثان عن زملائها في المكتب ، وثناء المدير الشاب عليها ، واحترامه لها ، فيشعر بغيرة واضحة ، من نبرة صوتها التي تتغير ، حينما يدور الحديث حول المدير الشاب ، فتتغير ملامحه ويشعر بالرهبة ، فيسألها عن فكرة الزواج ، والتي من الممكن أن تؤثر على تقدمها في عملها ، فتجيب أن الوقت لم يحن بعد ، فأمامها أحلاما لابد من تحقيقها ، وبعدها تفكر في الزواج ، فيرتاح قلبه ، وتهدأ خواطره ، يظل الحوار عاديا ، حتى يقتربان من منزلها ، تدعوه لتناول كوباً من الشاي مع والدها ، فيرفض معتذرا ، حينما يشعر أنها مجاملة لطيفة ليس أكثر .

يتركها على عتبات منزلها ، لكنها لا تزال جالسة بجواره ، يسير بالسيارة بسرعة شديدة ، وكأنه يخطفها من الجميع على حصانه الأبيض ، يتوقفان عند أقرب حديقة ، يختاران إحدى الموائد القريبة من النيل ، وسط الورود والرياحين ، يبث لها حديث الغرام ، يمده يده ويمسك يدها ، يتأمل سواد عينيها، وشفتيها المطليتان باللون البنفسجي ، وأسنانها البيضاء المنمقة ، فتبادله النظرات بالنظرات، وكلمات الغرام بأجمل منها ، وتشرع في الإلحاح عليه ، أن يفي بوعده ، ويحدد موعدا لمقابلة والدها ، فيعدها بأنه سيزور منزلهم في المساء .

وحينما يأتي المساء، يرتدي أجمل ما لديه ، ويحمل باقة من الورد الأحمر ، ويظل يدور بسيارته حول منزلها ، مترددا ما بين المواجهة والهروب ، ثم يعود إلى بيته ، ووحدته التي مل منها وملت منه .

استيقظ على صوت جرس المنبه ، فتح عيونه بصعوبة ، فوجد الساعة قد دقت السابعة صباحا ،الموعد الذي يبدأ فيه يومه ، شعر بتكاسل واضح ، لكنه لابد أن يستعد للذهاب إلى العمل ، لقد اخذ القرار ، أخطر قرار في حياته ، لقد قرر أن يفاتح شيماء ، بما يجول بعقله وقلبه ، لابد أن يفاتحها في موضوع الزواج ، ويحدد معها موعدا لزيارة أهلها .

حينما دخل مكتبه ، اقتطف وردة حمراء ، من باقة الورد ، التي وضعت على مكتبه ، حسب تعليماته إلى ساعي المكتب ، ولكن لفت انتباهه ، دعوة فرح ، حمراء اللون ، وضعت على مكتبه ، فابتسم من هذا الفأل الحسن ، فتحها في شغف ، فإذا هى دعوة فرح شيماء ، ومديرها الشاب ، ابتسم بسخرية شديدة ، وألقى بالوردة والدعوة على المكتب ، وهرع نحو دورة المياه ، وضع رأسه تحت صنبور المياه ، لتتحول المياه إلى اللون الأصفر ، نظر في المرآة ، تأمل ذلك الشعر الأبيض الذي يغزو رأسه ، ونزع العدسات من عينيه ، وألقى بها في حوض المياه ، وعاد إلى مكتبه ، يتابع عمله اليومي ..

 

عن Faten Ammen

شاهد أيضاً

برعاية وزارة الثقافة.. حكمت عادل يقدم «بلد العصفور» على مسرح محافظة المنيا

كتب: أحمد زينهم يشارك الفنان حكمت عادل في العرض المسرحي “بلد العصفور”، تأليف جمال عايد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.