قصة قصيرة “تلغراف”

 

بقلم .. تغريد مصباح

دق جرس الباب ، فاتجه ليفتحه في تكاسل واضح ، فإذا به مندوب شركة الاتصالات ، ومعه تلغرافاً .. انقبض قلبه ، ونظر إلى الرجل في تشاؤم واضح ، فلم يعتاد أن يصل إليه تلغرافاً ، إلا في المناسبات الحزينة مصحوباً بعبارة ” نشاطركم الأحزان ” .

قرأ العبارة المسطرة على ورقة التلغراف ، فانفرجت أساريره ، وابتسم في وجه الرجل، وأعطاه ورقة نقدية ، وهو يوقع على إيصال الاستلام ، وأخذ يردد العبارة المكتوبة بصوت عال ، وهو يغلق الباب خلفه ، وبفرحة من وجد ضالته ، بعد أن مل الانتظار .

ـ سأصل اليوم في قطار الخامسة انتظرني على رصيف المحطة .. دعاء

لم يصدق عينيه .. دعاء ابنة خالته ، التي تزوجت منذ سنوات بعيدة .. ، وأقامت مع زوجها في مدينة الإسكندرية ، وانقطعت أخبارها تماما ، كما انقطعت معها سعادته ، فهي منبع السعادة في حياته .

تزوجت زواج صالونات ، كان يتوقع أن ينتهي هذا الزواج بالفشل ، وستعود إلى أحضانه في أقرب وقت ، فهو غير مؤمن ، بهذا النوع من الزواج ، فهو يرى أن الحب ، وعلاقات ما قبل الزواج ، هى أساس الزواج الناجح .

غير أن ظنه كان في غير محله ، فامتدت السنوات ولم تعد ، وظل هو بلا زواج ، لقد أفقده رحيلها كل أمل في حياته ، لم يجد من يحتل مكانها في قلبه .. ، لقد تزوجها في خياله ، وعلى جدران غرفته ، وفى ذاكرته المحملة ، بكل لحظة قضاها معها ، والمرصوصة في صندوق الذكريات ، الممتلئ عن آخره بالخطابات والصور القديمة .

لقد أعادت إليه هذه الكلمات ، روحه التي افتقدها منذ زمن بعيد ، ألحت عليه الذكريات بشدة ، فاتجه نحو غرفته ، وفتح خزانه ملابسه ، وأخرج من قاعها ، صندوقا خشبيا متوسط الحجم ، جلس على السرير وفتحه في شغف ، فوقعت عيناه على كم هائل من الخطابات ، ذات ألوان مختلفة .. فتح أول خطاب صادفه ، فإذا به أخر خطاب ، وصله إليه منها ، كان من المدينة الجامعية بالإسكندرية ، قبل زواجها بشهور قليلة ، والذي أعلنت فيه رفضها الارتباط به ، وكان المبرر أنها لا تستطيع أن تعيش في القاهرة ، لقد اعتادت الحياة بجوار البحر ، الذي عشقت هواه العليل ، وشواطئه الجميلة ، كما أنها قد أعطته مبرراً ، أجبره على قبول رحليها ، فهي تريد أن تستقل في شقة بمفردها ، ليس فيها سيدة غيرها ، حتى ولو كانت خالتها ..

لم يستطيع استرجاع ذكريات باقي الخطابات ، فلقد أبطل خطابها الأخير كل السحر المسطر فيها ، ألقى بالخطاب في قاع الصندوق ، والتقط صورتها الأخيرة ، أخذ يتأمل عيونها البنية الواسعة ، خدودها الوردية ، لم يصدق عقله أنه سيلتقي بها اليوم ، تمنى أن تكون عودة بلا رجعه .. أن يكون قد دب الخلاف بينها وبين زوجها ، واتفقا على الانفصال ، وتعود دعاء إلى أحضانه من جديد .

.. لكنه سأل نفسه .. هل يقبل أن ترتبط بمطلقة ؟؟.. وصرخ في عقله .. نعم .. أوافق فهذه دعاء يا أبله .. وهل في هذا الكون مثلها .. قد تكون لعبة القدر ، أن يظل بلا زواج ، حتى تأتى دعاء ، بعد كل تلك السنوات ، لتتم قصة الحب القديمة .. وتخط بيديها أخر سطور حياته معها .

قطع سيل أفكاره صوت أمه المريضة ، فأسرع إلى غرفتها ، وأخبرها بأن دعاء ، ستعود اليوم إلى أحضان القاهرة ، ففرحت لفرحه ، فلطالما شعرت ، أنها كانت سببا في فشل قصة حبهما، فلولا وجودها في حياته لتم الزواج ، لقد عرفت كل شيء ، عرفت مدى التضحيات التي قدمها ، لكي تظل بجواره .

في الخامسة ، كان يقف على رصيف القطار، كالعصفور الحائر ، يفتش عن حبه القديم ، أخذ يتساءل .. هل تغيرت ملامحها ..هل مازالت كما هى متأنقة في ملابسها ، مهتمة بقدها الممشوق ؟، أما زالت تختار تلك الألوان المبهجة ؟، أما زالت ترتدي العقود والخواتم الغريبة الأشكال ؟

أخيرا .. سمع صوت القطار ، وهو يدق على باب قلبه، ليفتح الطريق لحبيبة عمره، لكي تلقي بقلبها بين أحضانه ، فاستجاب لنداء قطار السعادة ، ووقف أمامه، كطالب ينتظر نتيجة امتحانه .

ما أن وصل القطار على رصيف قلبه ، حتى أخذ يفتش عنها بين مئات البشر ، حتى رآها من بعيد ، فخفق قلبه ، وهو يهرع نحوها ، يفتح ذراعيه ليضمها إلى صدره ، حتى اقترب منها ، ولكنه وجد بجوارها زوجها ومعها أربعة من الأولاد ، رحب بهم في ذهول ، وقضى لحظات من التعارف ، مع غريمه الذي خطف حبه القديم ، ولكنه ما أن رأى السعادة في عينيها ، وهى مع زوجها ، حتى انتهى على كل شيء وهو يستمع إلى صوت القطار ليعلن رحيله ، بعدما ألقى في قلبه ، وجع ما بعده وجع .

إنهم قادمون لإنهاء إجراءات السفر ، إلى إحدى الدول العربية ، ويطلبون استضافتهم في شقته ، حتى الانتهاء من إجراءات السفر ، فلملم مشاعره ، ودفنها في قلبه .

في طريقهم إلى شقته ، كان صوت أم كلثوم يلومها ، وعيونه ترمق عيونها في المرآة

ــ جددت حبك ليه بعد الفؤاد ما ارتاح

 

عن Faten Ammen

شاهد أيضاً

برعاية وزارة الثقافة.. حكمت عادل يقدم «بلد العصفور» على مسرح محافظة المنيا

كتب: أحمد زينهم يشارك الفنان حكمت عادل في العرض المسرحي “بلد العصفور”، تأليف جمال عايد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.