عصير الألم

قصة قصيرة
بقلم وريشة فاطمة أحمد 

وضعت الأم بأطراف أصابعها بعضا من البخور في المبخرة، الدخان يتصاعد، يملأ الحجرة، ويملأ رئتي الابنة المريضة، الأم تردد بعض الآيات القرآنية وبعض التعويذات، تسعل “فردوس” كما لم تسعل من قبل والعرق يتصبب من وجنتيها بغزارة، تخرج الكلمات واهنة من بين شفتين جافتين: كفى يا أمي كفى، أكاد أختنق، لا تبالي الأم بشكوى ابنتها التي لا تعرف أن هذا الدخان هو الذي سيشفيها، لاعتقادها أنه محسودة!

تقص الأم عروسة من الورق، وتمسك بالإبرة، تغرسها في العروس الورقية وهي تردد: من عين أمك، من عين أبوكِ، ومن عين أختك ومن عين أخوكِ، ومن عين خالتك أم حامد، ومن عين خالتك الشيخة صالحة، ومن عين أم نبيل أم عيون مدورة، ومن عين كل من رآكي ولم يصلِ على النبي، ومن شر حاسدٍ إذا حسد، وتحرق الأم العروس التي كانت قد امتلأت بالثقوب! يزداد السعال، وتزداد السخونة، ويزداد العرق، ثم يتبخر!

يصرخ الأب: لا بد من إحضار الطبيب، تشيح الأم بيدها وهي تقول له: (الشر برَّه وبعيد) البنت لا يلزمها طبيب، البنت محسودة، يدنو الأب من ابنته الممددة على السرير،
يمسك بيدها التي تضعها فوق صدرها المريض، تلتفت الابنة ببطء شديد، وتنظر إلى والدها بعينين غائرتين حائرتين، بهما من السكينة والهدوء والألم ما يكفي لآلاف الأعين، لم يتحمل الأب تلك النظرة من عيني ابنته الجميلة ذات الستة عشر ربيعا.

و يهرول خارجا من البيت، لم يأبه بنداء زوجته، ولا بنداء الشيخة صالحة، يجري مسرعًا وهو يكاد يتعثر في ذيل جلبابه الواسع الطويل.

ويصل إلى الوحدة الصحية التي تقع على طرف القرية، لم يجد الطبيب الوحيد بها الذي نادرًا ما يتواجد، لم يجد أمامه سوى “التمورجي” الذي لم تتحرك فيه شعرة واحدة رغم توسلات الأب ودموعه، ريعلم الأب أن ذلك التمورجي لا يتحرك من مكانه سوى بجنيهين كاملين، يا إلهي! ومن أين له بهذان الجنيهان؟ والجنيه الأخير في جيبه أخذته منه زوجته كي تعطيه للشيخة صالحة التي استدعتها لرقية ابنتها.

في طريق عودته يمر بالأرض التي يعمل بها أجيرًا، وبالكاد يجد ليمونة صغيرة خضراء، يمسكها بكلتا يديه، وهو ينظر إليها بابتسامة أمل! ويتحدث إلى نفسه بصوت مسموع: سأعصرها وأعمل منها كوب من الليمون لابنتي الحبيبة، علها يكون بها الشفاء.

ويجري بسرعة وابتسامة الأمل تملأ وجهه، وكأنه يحمل لابنته البلسم الشافي لمرضها، كان كلما اقترب من البيت كلما اتسعت ابتسامته واتسعت خطواته، اتسعت حتى صارت أوسع من ذيل جلبابه، ويتعثر ! ويقع على الأرض، تتدحرج الليمون أمامه، يزحف بسرعة كي يلحق بها قبل أن يدهسها ذلك الحمار أو يأكلها، لكن العربة التي يجرها الحمار كانت أسرع من الحمار ومنه، ودهست الليمونة، إعتصرتها بقسوة، ينقبض قلب الأب وهو ينظر إلى بقايا الليمونة بحسرة وقد اعتصره الألم كما الليمونة، وضاعت ابتسامته، كما ضاع أمله في كوب الليمون لابنته، يتحامل على نفسه، وينهض عن الأرض، وقد تهالكت قواه تمامًا، سار يجرجر قدميه وقد اسودت الدنيا في وجهه.

ويقترب من البيت، وفجأة تلتقط أذنيه أصواتا، تمنى أن يصم كي لا يسمعها، وتصل إليه رائحة البخور، يرفع عينيه فلم ير أمامه باب بيته، بل رأى سيدات يتشحن بالسواد.

عن Rana Elbick

شاهد أيضاً

ربيع العشق

بقلم/ أشرف عزالدين محمود كانت تَسحب خُطَى الأقدام تِبَاعَاً سِرَاعَاً نَهَارَاً وَلَيْلاونَبْضُ الحب يُصِرُّ عَلَى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.