الجاسوسة الجريئة التي كتبت الفصل الأخير في حياة أشهر جنرالات الجيش المصري

كتبت :سهام عابدين

الحلقة االأولى من فصول الخيانة

الخيانة بأنواعها كانت موجودة، ولكن لم تكن بهذه الجرائة في شكلها، ومضمونها

نحن اليوم علي موعد فتح فصل من فصول الخيانة التي ضربت كالسرطان تنخر أجسادهم في كل مكان، فهناك عقول قابلة للاستهلاك (صناع الخيانة)

“إنشراح موسي” من علي جبهة إسرائيل استلت مهامها تجسد الخيانة بكل أشكالها وأنواعها القاسية كفرت بالوطن بحثاً عن مقومات وطن آخر بأخلاق ممزقة وإنسانية منزوعة وثروة ستغنيهم من جوع وحاجة، وبزخيرة الفقر التي أطلقتها علي أشهر جنرالات الجيش المصري في القرن العشرين “عبد المنعم رياض” الذي وافته المنية تتزامن مع الشهر الحالي

أبرز جنرال كان له بصمة راسخة في كل حرب

(الحرب العالمية الثانية، حرب فلسطين، حرب١٩٥٦، حرب الاستنزاف)،

وجدير بالذكر : كان ضمن أهم القادة الذين يَعتمد عليهم الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر”

سوف نتناول السطور المقبلة كيف وشت به الجاسوسة الجريئة، وكيف قاد عملية المقاومة حتي المشهد الماساؤي لرحيله (استشهاده).

إسرائيل السوق دائماً مفتوحة للخيانة رأسمالهم من الفقراء ممن هم استشري فيهم الفقر و خارت قواهم، وتكالبت عليهم البطالة، وسقط عنهم جدران الحياء، فالكوارث كثيرة والحروب لاتنتهي.

“إنشراح موسي ” من أشهر الجواسيس التي نالت شهرة واسعة بعد ما تسببت في استشهاد الجنرال “عبد المنعم رياض” حتي خلدتها الدراما المصرية في مسلسل “السقوط في بئر سبع”

في صعيد مصر تحديداً محافظة المنيا ولدت انشراح علي موسى عام 1937م لأسرة متوسطة الحال، وبالرغم من العادات و التقاليد المتزمتة آنذاك دخلت موسي المدرسة، وواصلت تعليمها حتى حصولها على الشهادة الإعدادية عام 1951م.

وبعدما حصلت علي الشهادة بأيام قليلة أراد والدها مكافأتها فاصطحبها معه إلى القاهرة لحضور حفل زفاف أحد أقاربه.

كانت انشراح ذات وجه حسن، وجسد دبت به روح الحياة معالم الأنوثة، فبدت أكبر كثيراً من سنها_مما جعلها محط أنظار الحضور، واخترقتها سهام الناظرين الباحثين عن الجمال، فكانت تقابل تلك النظرات بحياء فطري غلف ملامحها مما زاد جمالاً فوق جمالها.

وفي حفل الزفاف اصطدمت نظراتها البريئة بنظرات الفتي الحالم، فتملكها الخجل وتوردت خدودها أحست بعاصفة تجتاح مشاعرها، توقظها من رقدتها_معلنة عن مولد مشاعر جديدة غزت عقلها، وغارت علي قلبها لأول مرة.

كان فتاها الذي حرك فيها دماء الأنثى هو إبراهيم سعيد شاهين ابن العريش المولود عام 1929م الذي ما غادر الحفل إلا، وعرف عنها كل شيء.

وبعد أيام قلائل من الزفاف فوجئت به يطرق باب بيتها في المنيا برفقته والده كادت انشراح يغشي عليها من السعادة، وحلقت بين الأماني بخيالها تمني نفسها بالحلم ، و تستطلع الغد الهنيء، فمنذ رؤيته للوهلة الأولى بالحفل الحافل انغرس حبه بداخلها.

انزعجت الفتاة الصغيرة عندما اعترضت والدتها في أمر زواجها منه متحججة ببعد المسافة بين محافظتي المنيا والعريش، حين بدأت في بناء مستقبلها جاءت الأم بالرفض وبكت ثم بكت ثم بكت بحرقة، وهي ترى أحلامها الوردية تكاد أن تحقق ثم سرعان ما تنهار في ذات الوقت دون أن تقدر على فعل شىء حيال ذلك الأمر

وأمام عيونها الصامتة

سألها والدها: أتوافقين عليه يا ابنتي ؟

فكان في صمتها إجابتها.

وأعلنت الخطبة

وفي أول حديث مع خطيبها صارحته أنها أعجبت به منذ الوهلة الأولى في حفل القاهرة وازداد إعجابها به حينمآ سعى ورائها حتى المنيا ليطلب يدها.

وأكد لها أنه تمناها زوجة له منذ النظرة الأولى، ويومها عاهد ربه ألا تضيع منه أبداً.

وفي حفل حافل متوج بأهازيج الفرح، وموسيقي السعادة انتقلت انشراح إلى بيت الزوجية في العريش، تحفها السعادة والمسرات بحبيبها الذي أيقظ فيها مشاعر دفينة لم تكن تدركها، وأرسل الى قلبها سهام الحب فأسلمت إليه نفسها يطوعها كيفما يشاء ،وتدفقت موجات متلاحقة من الحب مع كل نبضة من نبضات قلبها الصغير.

كان إبراهيم شاهين يعمل كاتب حسابات بمكتب مديرية العمل بالعريش، وهو أيضاً لم يحصل سوى على الإعدادية مثلها، لذلك اتفق وانشراح على أن يواصل أولادهما تعليمهم حتى أعلى الشهادات العلمية، وأصبح هذا الأمل هو هدفهما الذي يسعيان إليه ، ويعملان على تحقيقه مهمآ كانت الظروف.

توالت بهم الأيام والشهور تبعث علي الفرح بالبشاشة والإنسجام فلم يكن إبراهيم يرى في الدنيا زهرة أجمل من وجه حبيبته ولا يسمع صوتاً أرق من صوتها تغني للحب والحياة فيسقط عقله أرضاً، ولا يظل بمكانه كلما انفرد بها وهي ترقص له بملابسها الشفافة_فهي تحب وتجيد الرقص ويستهويها الجنس، وهو يعشق هذا الجسد الذي يتلوى له كالأفعي

أحبآ الجنس وتحول الجنس عندهما كالهواء، ماتا لو لم يتعاطيانه كل يوم إنه يطلبه منها صراحة، وتطلبه هي تدللاً، وكانآ إذا ما أظلتهما سحابة حزن فسريعاً ما تندثر_حتى اشتهر حبهما بين الأهل والأقارب وبدآ قوياً عتياً لا يقطعه الملل أو يضعفه الكلل.

وفي أواخر عام 1955 رزقآ بمولودهما الأول “نبيل” ثم جاء المولود الثاني محمد عام 1956، ثم عادل في 1958، فعظم حبه لها لأنها ملأت عليه الدنيا سحرت دنياته بهجة وملأت بيته بضجيج الأبناء الثلاثة، توالت الحياة في درب من أغاني الفرح وأغاريد الوئام.

وفي عام 1963 – وكما اتفقآ من قبل – أرسلآ بأولادهما إلى عمهم بالقاهرة ليواصلوا الدراسة هناك، وليعيشوا حياة رغدة بعيداً عن مظاهرة البداوة ،وظروف الحياة الأقل حظاً من العاصمة وفي أكتوبر 1966 ضبط إبراهيم يتلقى الرشوة وحبس ثلاثة أشهر خرج بعدها ليكتشف مدى قسوة الظروف التي تمر به، والمعاناة الشديدة في السعي نحو تحقيق آماله في الإرتقاء وتحقيق الثراء.

وذات يوم اجتاحت إسرائيل سيناء واحتلتها في يونيو 1967، وأغلقت فجأة أبواب السبل، والطرقات أمام السفر إلى القاهرة، فتأزم الوضع وتأزمت انشراح نفسياً حتي أهلك الحزن تفكيرها_قلقاً على أولادها فكانت كلما نامت تراهم في أحلامها يستغيثون بها فتصرخ وتستيقظ ،ويحتضنها الزوج ويهدئ من روعها، وإن كان هو الآخر لا يقل عنها قلقاً واشتياقاً لهم.

هكذا تظل انشراح تبكي معظم الليل والنهار حتى قارب عودها على الذبول، وأوشك الجمال أن يكشر عن أنيابه بأن ينطفئها، ووجد إبراهيم أن الحياة في العريش كما لو كانت في الأسر، فالحزن له الحظ الوافر داخل البيت الذي ما عرف إلا الضحك والفرح، والمعيشة أضحت من سئ لأسوء، فمنذ الغزو وهو عاطل عن العمل لا يملك المال لشراء مايسد احتياجاتهم كالشاي، والشاي عند البدوي يعد من الضروريات الأساسية وسمة من سمات العيش، فأستعاض عنه إبراهيم بعشب بري يعرف بإسم “المرمرية” له مذاق طيب، وأصبحت المرمرية مشروباً مستقلاً في بيته بعدما كانت وريقاتها تضاف إلى الشاي لتضفي له جمالاً كالنعناع.

وسط هذا المناخ كانت المخابرات الإسرائيلية تعمل بنشاط زائد تتخذ زرعواً لها في كل مكان، وتسعى لتصيد العملاء الذين يرزحون تحت وطأة الفقر بسبب الضغوط المعيشية الصعبة وظروف الاحتلال، فالإحتلال المفاجئ لسيناء وقع على سكانها كالصاعقة المدوية، فأختنقت نفوس الأهالي وضاقت بهم زرعاً برغم اتساع مساحات الأرض والجبال، ولكونهم ذوي تقاليد بدوية، ومحبين للحركة والتجوال والتنقل، أحسوا بثقل الأمر ولم يطيقونه كأنهم حبيسي الأسر ، لكن الظروف التي وضعوا فيها اضطرتهم إلى محاولة تحملها لثقتهم أنها أزمة وستمر فكل مر يمر ، لكن ما كان يحز في نفوسهم هو تضييق الخناق عليهم في المعيشة والتنقل، فكانت التصاريح التي يمنحها الحاكم العسكري الإسرائيلي لا تتم بسهولة ويسر، بل أصبح السفر إلى القاهرة يحتاج لمعجزة من السماء.

فالتعنت الشديد في منح التصاريح بلغ منتهاه، واشتدت عضات الغضب والأحتقان داخل النفوس والصدور إلى جانب آلام الجوع التي تنهش الأبدان وتنخره، وتجتث الصبر والعزيمة والقوة.

تعطلت لغة الكلام وبوصلة الإنتماء، وخيمت سحب سوداوية تزيد من قاتمة المشهد علي نفسيهمآ فازدادآ ياساً، وشوقاً إلي الإبناء في القاهرة، ودب التفكير في كل ماهو غير مألوف، وأمام البكاء المستمر الذي تورمت له عينا انشراح ثمة خيانة تلوح في الأفقاندفع إبراهيم إلى مكتب الحاكم العسكري يطلب تصريحاً له، ولزوجته للسفر إلى القاهرة.

ولما تم مماطلة الأمر كثيراً بل أكثر بوعود زائفة، صرخ في وجه الضابط الإسرائيلي قائلاً : إنه فقد عمله ودخله ،ولا يملك قوت يومه.

فطمأنه الضابط “أبو نعيم” ووعده بالنظر في أمر التصريح في أسرع وقت، وبعد حديث طويل بينهما حاول إبراهيم خلاله التقرب إليه لإنجاز التصريح

أمر له أبو نعيم بجِوال من الدقيق، وبعض أكياس الشاي والسكر، فحملها بنفس هادئة مهتدئة_ فرحاً إلي زوجته وهو يزف إليها السفر إلى القاهرة عمآ قريب.استبشرت انشراح خيراً وغمرتها السعادة بما جاءها به، وغاصت في أحلامها، وتخيلاتها باللقاء الحميم مع فلذات أكبادها.

لكن الأيام تمر والحلم شارف علي الإختفاء، وأبو نعيم يعد ولا ينفذ، ويعود إبراهيم في كل مرة محبطاً، لكنه كان يحمل معه دائماً أكياس المواد التموينية التي أصبحت هي المصدر الوحيد لمقومات الإعاشة، ولولاها لمات جوعاً هو وزوجته.

وذات صباح فوجئ بمن يستدعيه لمكتب أبو نعيم، فذهب إليه مسرعاً، وقدم له الشكر على الإعانة الدورية التي يمنحها له، فأخبره الضابط بأن الحاكم العسكري وافق على منحه تصريح السفر هو وزوجته.

“في مشهد سريالي” كلمات مقنعة بلبوس الحرية شكلت إسرائيل بنادق بشرية صوب السياسة سرعان ما رزعوها في نفوس البسطاء تهلل وجه ابراهيم بشراً وقبل ظهر يده شكراً لله، فباغته أبو نعيم وقال له: بأن موافقة الحاكم العسكري جاءت بشرط أن يكون متعاوناً، ويأتيه بأسعار الفاكهة والخضروات في مصر، والحالة الإقتصادية للبلد بواسطة أخيه الذي يعمل بمجال الإستيراد والتصدير.

لم يتردد أجاب إبراهيم على الفور أن الشرط بسيط للغاية فبإمكانه القيام بهذه المسألة خير قيام

وأضاف: أنه سيأتيهم بأسعار السلع الأستهلاكية والبقالة والسمك أيضاً، ولو أنهم أرادوا أكثر من ذلك لفعل.

عندئذ صارت الرؤية واضحةٍ جالية لاتدع مجال للشك للضابط الإسرائيلي، فقد نجح إبراهيم شاهين في الإختبار الأول وكان عليه أن يتصرف معه حسبما هو متبع، ويحيله إلى الضابط المختص لإكمال المهام المطلوبة، فدوره ينحصر فقط في “الفرز” لا أكثر.

وبينما إبراهيم وانشراح يحتفلان بنافذة الأمل الجديدة التي طالمآ راودهتم طويلاً_توقفت سيارة جيب أمام المنزل، وطلب منه جندي أن يرافقه إلى مكتب الأمن، وهناك كان ينتظره ضابط يدعى “أبو يعقوب” بالغ في الإحتفاء به بدعوى أن أبا نعيم أوصاه به خيراً، فشكره إبراهيم وأثنى على أبو نعيم، وامتد بينهم جسر الحوار لوقت طويل استشف أبو يعقوب بحاسته أن إبراهيم يدرك ما يبتغيه منه،

فطلب منه أن يذهب معه الى بئر سبع _حيث المكتب الرئيسي للأمن المختص بالتعامل مع أبناء سيناء.

في نمط هجين بين الحلم والثراء اختلت منظومة القيم

وفي بئر سبع استضافوه وأكرموه بكل السبل، ولوحوا له بإغراءات ما كان يحلم بمثلها يوماً_ نظير إغردقه بالنقود، وتأمين حياته وذويه في العريش وافق إبراهيم على التعاون مع الإسرائيليين في جمع المعلومات عن مصر، وتسلم – كدفعة أولى – ألف دولار في الوقت الذي لم يكن يملك فيه ثمن علبة سجائر.

انتهت الحلقة الأولى، وعلي موعدٍ لأستكمال القصة في الحلقات المقبلة انتظرونا.

عن Arab Citizen

شاهد أيضاً

ريشي الهندي حكم بريطانيا فهل تعود أمريكا الحرة

بقلم الكاتب: مصطفي كمال الأمير في معجزة حقيقية ومفاجأة مدوية صعد ريشي سوناك Rishi Sunak …