الرئيسية / القسم الادبي / قصةقصيرةجداً في حلقتين.

قصةقصيرةجداً في حلقتين.

الأسوديليقبنا.«١»

بقلم هالة.جاد

حفل زفاف، موسيقى صاخبة، رجال ونساء في أبهى حُلّة، أناقة وشياكة، وجوه مبتسمة سعيدة، وأخرى ترسم قناع الإبتسام و السرور…
لم أذهب إلا لتوديع صديقتي الوحيدة كارمن، والتي ستسافر مع زوجها العتيد بعد يوم أو يومين، لم ولن تستهويني هذه المحافل ولا الأماكن، فكثيراً ما يزعجني الإزدحام ولا يروق لي الصخب، ويؤلمني النفاق والتملق، الّذيْن أصبحا من سمة عصرنا العجيب…
إرتديت ثوبي الأسود المفضل، أنيق وبسيط للغاية كان قصيراً وبياقة منخفضة من الأمام و الخلف من الدانتيل الأسود المطرز بالورود السوداء كذلك، وجوارب طويلة شفافة وتركت شعري منسدلاً حتى خصري في تموجات خفيفة، فلقد لاحظت بعد مرور سنوات عمري الثلاثين، أن الأسود يليق بي، بل ويناسبني لأبعد الحدود، 0فهو يشبه روحي الغريبة بين أهلي ونفسي الأسيرة بين أفكاري وكتاباتي، فمنذ إحترافي الكتابة والعمل كمستشارة نفسية واجتماعية وأنا تقريباً انقطعت عن العالم وعشت بين شخصيات أبطالي أحلّ مشاكلهم وأداوي جروحهم، بالإضافة إلى متابعة مشاكل القراء ومساعدتهم، وكما كانت تقول لي صديقتي ورفيقتي ونديمة روحي أنني مثل جسر يعبر العشاق والأحبة والناس نحو سعادتهم ثم تبقين في العذاب وحدك والجفاء، فكان جوابي الوحيد لها أين أجد من يحبني كما أنا، وليس كما يريد…
من حيث أنا على طاولتي بمفردي كالعادة، فلقد طلبت من كارمن أن تحضر لي طاولة جانبية بكرسي وحيد لأنني لا أريد مشاركة أحد الوقت القليل الذي سأقضيه في توديعها، كنت أراقب الجالسين، القائمين، الذاهبين والقادمين، القاعة من حولي تبدو كما خلية نحل، لا تكلّ ولا تتوقف، كلٌ لحال سبيله يمضي، وكم تبدو صديقتي سعيدة، وفي غاية الفرح والأمل والتفاؤل والجمال والروعة، وكم بدوت أنا حينها مثيرة للشفقة و تتآكلني الوحدة..
لا ليست الغيرة، مستحيل أن أغار من صديقتي الوحيدة العزيزة، أو أن يجرحها حسد أو حقد من قلبي أنا، مستحيل… فهي الوحيدة التي تعرفني جيداً دون سائر الناس، وحتى أهلي الذين يئسوا من محاولة إقناعي بالزواج، فمن بمثل عمري الآن لديها طفل أو إثنين بالفعل، وبعد مجادلات كثيرة معهم إقتنعوا أنني وهبت نفسي وحياتي للكتابة ومساعدة المعذبين إجتماعياً واليائسين نفسياً، وما أكثرهم..
نويت بيني وبين نفسي أن لا أطيل المكوث، وعندما سمعت أنغام أغنيتي المفضلة تنساب جلست فاستمعت واستمتعت، فقلت هذه فقط وبعدها سأغادر…
(يسمعني حين يراقصني كلمات ليست كالكلمات، يأخذني من تحت ذراعي يزرعني في إحدى الغيمات)
فجأة شعرت بشيء غريب من حولي، تغير الهواء وتكاثف، همهمات ونظرات، وتغيرت الأجواء من حولي، وشعرت بأنني مراقبة، وأن عيوناً تراقبني، فالتفتّ لأرى ماذا يحدث، يميناً وشمالاً فلم أرَ ما هو غريب، فاعتدلت ونظرت أمامي، فوجدت عينين…
لا بل بحرين عميقين من الغموض وسواد العقيق، لن تسبر غورهما مهما حاولت، شعر أسود فاحم طويل نسبياً وصل لياقة قميصه الأبيض، وشعيرات فضية لونت فوديه وشعر ذقنه الخفيف، أنفه المستقيم وشفتيه التي تدعوك للخطيئة، أما عن بذلته السوداء والتي يبدو من تصميمها أنها خيطت لأجله، حيث كانت السترة بنصف ياقة ودون أزرار، وربطة عنق وصديري بصف أزرار سوداء لامعة، طويل حوالي خمسة أقدام، ولم تفلح البذلة الأنيقة في إخفاء عضلات ذراعيه ولا جسده الرياضي الممشوق، وحتى حذاءه الثمين جداً لم تخطئه نظراتي..
كثيراً ما كانت تعجبني كلمات نزار وأنغامه وألحانه أما الآن، والآن فقط سمعت ترنيماته العذبة في مسامعي كمسّ الجن، وسحر غير منظور…
نظراته أسرتني، جذبتني، وحرفياً سرقت أنفاسي، توقف عقلي وتاه عني ما كنت أفكر فيه، وحارت يداي ما تفعل غير أن تمسد قلبي علّها تطمئن هلعه و تهدئ من وجيفه،، ولكن هيهات
هل حقاً لا تعلمون كيف تتوقف الأرض عن الدوران، كيف تخرس الأصوات غير صوت يخرج من زفيره فيحتضنه شهيقي، كيف تختفي الوجوه ولا يبقى سوى وجهه، وملامحه الجذابة، الحنونة، والتي تجعلني أشعر أنني أعرفه طيلة عمري…
تفاجأ كما تفاجأت، إحتار فيما يحدث كما حيرتي أنا الآن، وارتبك كيف يتصرف، ولكنه كان أقوى وأشجع مني، حيث تقدم نحوي مخترقاً صفوفاً من طاولات و صفوفاً أخرى من عمري الماضي، مجتازاً عقبات من ظروفي و آلامي.. وعندما عاد وعينا و إدراكنا وتلاشت رهبة المفاجأة جعلت أنظر في كل إتجاه غير عينيه، ويبدو أن هذا لم يعجبه، فمدّ لي يده يسألني “” هل تنتظرين أحداً””، فقلت لا.
قال مبتسماً بأجمل إبتسامة رأيتها والتي كانت كما الشمس من بين الغيوم”” كنت على يقين من ذلك، هل تسمحين لي بهذه الرقصة”” وأوقفني على قدميّ، غير سامحٍ لي بالرفض أو الإعتذار، فذهبت معه..
وفي ساحة الرقص حيث العروسين، وزوجين آخرين يرقصون، جذبني وبذراعه الأيسر ضمني إليه، وبكفه الأيمن أحتضن كفّ يدي الرقيق وأسكنه صدره وموضع قلبه، ونظراته لا تفارق نظراتي، وأنا كطفلة مشدوهة بألوان الميلاد وسحر الأمنيات، ومن حولنا الموسيقى والكلمات تقول لي، وكأنها تخاطبني…
( وأنا كالطفلة في يده، كالريشة تحملها النسمات، يحمل لي سبعة أقمار بيديه وحزمة أغنيات).
يسألني بوله “” لماذا تأخرتِ كل تلك السنوات””، فقلت “” قدر”
“” من أنتِ وما اسمكِ””، قلت “فناء”
فأسرع يخبرني “” بل لقاء وأجمل لقاء””

    ༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻

يتبع…

عن Nahla Sheta

شاهد أيضاً

لنبحر.نحو امل مزجي بالأنسام…بقلمي أشرف عزالدين محمود-

…………………………………………………………….-أين ستذهب…؟! أبحث تحت الشرفات عن البسمه !؟حيرتي مزروعة كشجرة على الطريق ، الضوءُ يغيبُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *