العشق الممنوع (7)

                       حب من أول نظرة وبداية المغامرة

المواطن العربي بقلم محمد جامعي

   كل ما سبقت كتابته وروايته لمتتبعِيَ وأحبائي هي مجرد توطئة كان لابد من سردها في ظل ما عانيته وما تركه عشقي لهذه الكرة الصغيرة من أثر ونذوب على نفسيتي. فهي مغامرة طويلة امتدت لخمسة عقود كاملة بالتمام والكمال، مع ما رافقها من أفراح وإنجازات أيضا كانت بمثابة البلسم لجروحي والوقود الذي زودني بالطاقة اللازمة لمواصلة المسير رفقة ثلة ممن آمنوا بمشروعي رغم حداثة عهدهم به، فعملنا جميعا على تجاوز كل العقبات والمتارس التي حاول البعض أن يضعها في طريقي دون بلوغ الأهداف المتوخاة...والآن أدعوكم لبداية القصة والمغامرة بأهم تفاصيلها:
   فبعدما توقفت مرغماً عن ممارسة كرة القدم رفقة الأصدقاء بسبب التحاقي بميدان العمل لمساعدة أخي الأكبر في إعالة العائلة ومقاسمته تحمل المسؤولية كما ذكرت سلفا، لم يبقَ لي الوقت الكافي لممارسة الرياضة، ولا حتى للتداريب التي كنت حريصا عليها للحفاظ على لياقتي البدنية، غير أن نقطة التحول في وضعيتي الجديدة كمسؤول أول بميناء القنيطرة على عملية شحن وتفريغ حمولات السفن، في ظل وقوع اختيار مسؤولي الميناء على شخصي المتواضع، لمعرفتي لأربع لغات نطقا وكتابة (الفرنسية، الانجليزية، الإسبانية والألمانية) كان ذلك سببا رئيسيا في العودة مجددا لهوايتي المفضلة، لكن بشكل ثانٍ ومختلف إلى حدّ ما.
    ففي سنة 1971 بالضبط، وبعد توقف عن ممارسة الكرة لمدة سنتين كاملتين، شاء القدر المحتوم أن يعيد نسج خيوط هوايتي المفضلة من بوابة ميناء القنيطرة، لدرجة أنني تساءلت مرات عديدة ومتكررة عن السر وراء هذه العلاقة الوجدانية بيني وبين الرياضة وهوايتي المفضلة، هل هي التي جاءت لتبحث عني وسط صخب الميناء وحاوياته ؟ أم أنا الذي كنت أتوق لملاقاتها بعد انفصال قسريّ لا يد ولا ذنب لنا فيه ؟ وكان الاختلاف الوحيد بين محبوبتي الناضجة وحبي الجديد هو أن الأولى تنازلت لشقيقتها البِكر وأوصتها بي خيرا. وأنا بدوري بمجرد أن اكتشفتها مع بحارة روس وهم يداعبونها بإحدى ساحات الميناء بعد انتهاء عملهم، أعجبت بها وبحجمها الصغير الذي يساعد على الإبداع وتفجير ما بدواخل الممارس من طاقات فنية ومهارات فردية تجعله محط اهتمام المتفرجين، خصوصا بعد مشاركتهم اللعب، فوجدت بأنني مازلت أحتفظ ببعض اللمسات الفنية التي لا تحتاج إلا للقليل من التداريب للعودة مجددا للتنافس ولدوريات الأحياء التي كانت تستقطب جماهير غفيرة من مختلف الأعمار. وهكذا أقنعت نفسي بألا يكون " النهيضة " قطعة أثرية تزين بها بعض المتاحف المنسية والخزانات المهجورة. ومنذ ذلك التاريخ قررت ركوب صهوة التحدي بهذه الكرة الصغيرة ذات الطموحات الكبيرة. هضمت جيدا قوانين اللعبة، فاستنسختها بألوان مغربية. وكانت بداية ممارستها بفضاء مؤسسة عبد المالك السعدي، لتأخذ طريقها في الانتشار إلى أن تم تنظيم أول دوري رمضاني بمعية فريق لكرة السلة بدعم من عائلة دومو وبعض الفعاليات الرياضية القنيطرية سنة 1983 وليتجدد الدوري الرمضاني الموسمين الموالين 84 و 85 على التوالي، مع ازدياد عدد الفرق المشاركة وعدد الجماهير التي استهوتها هذه الرياضة التي تقدم لوحات فنية استعراضية للاعبين موهوبين وجدوا فيها ضالتهم لإبراز تقنياتهم تحت تصفيقات الجماهير الغفيرة التي كانت تأتي من كل حدب وصوب للاستمتاع بهذه العروض الشيقة في انتظار الإعلان عن أذان صلاة المغرب، علما بأن هذا الشهر الفضيل تنشط فيه  الدوريات الرياضية الرمضانية ليس على مستوى مدينة القنيطرة فحسب، بل على صعيد كل المدن المغربية تقريبا.
   وبعد أن اشتد عود فريقي وأصبح اسم أجاكس القنيطري يتردد على كل لسان لِما يقدمه من عروض وإنجازات، وما أصبح يحصده من ألقاب على الصعيد المحلي والإقليمي والوطني بفضل انسجام عناصره وما أصبحوا يمتلكونه من مهارات نتيجة تداريبهم المكثفة وكثرة المباريات التي ساهمت بشكل كبير في صقل مواهبهم، وبالتالي مكنتهم من التحكم في معالِم ملاعب الصالات، فكرت في تجاوز هذه المرحلة التي اعتبرتها كمرحلة تأسيسية لمشروع رياضي كبير سيعود بالنفع على الرياضة الوطنية بصفة خاصة وعلى الوطن بصفة عامة عندما نقارع الفرق العالمية ويُرفع علم المغرب خفاقا في سماء الملتقيات الدولية والقارية، فكرت في ركوب تحدٍّ جديد، ألا وهو خوض غمار منافسات دولية خارج أرض الوطن. وكانت البداية سنة 1989 عندما توسط لي أخي الذي يلعب بأحد الأندية الألمانية للمشاركة في دوري دولي حبي هناك. وهي الفرصة التي انقضضت عليها بالنواجد والأظافر ولم أفوتها لخوض مجموعة من المباريات بكل الدول التي سنعبرها بداية من إسبانيا وفرنسا وسويسرا وألمانيا ثم بلجيكا خلال طريق عودتنا إلى المغرب عبر متن الحافلة الصغيرة لصديقي العربي الذي لم يتردد بدوره في المساهمة في تحقيق هذا الحلم ، رغم علمه التام بمحدودية الغلاف المالي الذي كان بحوزتي. وهذا ما جعل عددا كبيرا من المناوئين والحساد يستهزئون من صدق الأخبار التي وردت عليهم بخصوص مشاركة فريق أجاكس القنيطري في دوري دولي بألمانيا، متسائلين عن كيفية الحصول على تأشيرات اللاعبين ومصاريف العبور والطريق الطويل الذي يتطلب طول النفس واتساع الجيب. ولم يتوقع أقل المتشائمين منهم أننا سنلعب مباراة واحدة في كل دولة من الدول التي سنعبرها، وأن زادنا خلال الطريق كان عبارة عن خبز وزيتون وزيت بلدية وحلويات وعزيمة قوية بلا حدود في ربح رهان التحدي والتألق خارج الحدود والمواقع.

      ( يتبع كل يوم أربعاء )

عن Arab Citizen

شاهد أيضاً

من العشق ما قتل

المواطن العربي: بقلم محمد جامعي ليس المسالة في الروايات لكن في أهميتهالست مداحا أو من …

اترك تعليقاً